الأحد، 11 أكتوبر، 2009

لماذا نتململ من مهنة التدريس ؟

لماذا نتململ من مهنة التدريس ؟
إذا كنت تعمل معلماً ورزقك الله بعدد من الأبناء فهل ستشجع أحدهم على أن يقتفي أثرك ويحذو حذوك ويصبح معلماً أيضاً ؟يتحدث أحد المدرسين البريطانيين عن تجربته الخاصة التي تعكس تململ البريطانيين من ممارسة مهنة التدريس فيقول: سعدنا جميعاً بالنتائج التي حققتها «جونا» في إختبارات العام الدراسي من إمتحانات المدرسة الثانوية النهائية ، وقد حققت جونا تفوقاً في جميع المواد مما أهلها للترشح للجامعة التي ترغب فيها دون أي مشكلة على الإطلاق ، وقد كان طبيعياً أن تتحول العيون نحوها ويتساءل الجميع عن أمنياتها التي ترغب في تحقيقها في المستقبل ، وتبادر السؤال التالي : ماذا ستقرر أن تفعل في حياتها المهنية ؟ ويعرف كل امرئ بالتأكيد أن جونا ذكية للغاية ومفعمة بالحياة والنشاط وتتميز بالخيال الواسع الخصب ، وباختصار شديد هي فتاة متعددة المواهب وقد نصحها كل امرئ - وأعني الجميع حقاً - قائلاً لا تصبحي معلمة ، فأنتِ ماهرة للغاية وسيذهب كل هذا هباءً .إلى هذا الحد أصبحت هذه المهنة محل إتهام ؟إن دخولنا إلى عالم تكنولوجي معقد ومتطور للغاية وبشكل متزايد ، جعل من وجود معلمين مطلعين ومجتهدين ومتفانين أمراً حيوياً وجوهرياً تماماً ، ومن ثمّ فإن المقولة التي ترى أن التدريس ليس المهنة المناسبة لأصحاب العقول اللامعة مقولة غير صحيحة على الإطلاق ، ولا ينبغي بالطبع أن يكون هناك مجال لها في هذا العصر ، ولكن لماذا ؟إن مهمة المساعدة في تشكيل عقول المستقبل وصياغتها يجب أن تفوق أي مهمة وتحتل المرتبة العليا تماماً ،ويجب النظر إلى مهنة التدريس باعتبارها مسؤولية ضخمة تتطلب خيالاً وذكاء وموهبة فائقة، بل وجميع الصفات الطيبة التي يتمتع بها خيرة شبابنا ، بيد أن التدريس في ظل الظروف الحالية قد لا يكون المهنة المناسبة لأبنائنا .إن مهنة التدريس تتطلب دائماً تزويدها بأعضاء جدد وصالحين ، إنها في حاجة إلى حماس الشباب المتوهج ، ولقد شهدت بأم عيني الطريقة التي يؤدي بها المعلمون الشباب الموهوبون مهمتهم ، وكيف بوسعهم تغيير قسم ما أو مدرسة ما من الألف إلى الياء ، إنهم بمنزلة عملية نقل الدم التي تحتاج إليها شرايين حياة أي مدرسة ،ولكن من أين يقدم إلينا هؤلاء المدرسون الموهوبون في الوقت الذي يبدو لي أن قلةً فقط من المعلمين ينصحون أبناءهم بأن يحذوا حذوهم وينخرطوا في مهنة التدريس ،ألا يدعو هذا الأمر إلى دق نواقيس الخطر وأجراس الإنذار المبكر في أروقة وزارة التعليم في بلادنا ؟ونحن مدعوون للتفكير في مغزى هذا الوضع الذي صرنا إليه ، فإذا كان المعلمون يثبطون عزم أبنائهم والطلاب الذين يدرسونهم أيضاً بخصوص دخول مجال التدريس ، ألا يعني هذا وجود شيء خطأ في الطريقة التي ينظر بها الآخرون الآن إلينا ؟ بل وفي الكيفية التي ننظر بها نحن لأنفسنا .يروي أحد المدرسين قصته مع التدريس وما آلت إليه المهنة من نظرة فيقول : حينما شرعت لأول مرة في العمل في مهنة التدريس ( أي قبل 25 عاماً مضت أو أكثر ) كانت المهنة آنذاك مليئة بالأفراد الموهوبين والأذكياء الذين آمنوا بأن بمقدورهم أن يؤدوا شيئاً مختلفاًًَ ومميزاً ، وقد كانوا ملتزمين تماماً بالمواد التي يدرسونها ، وتدفعهم إلى هذا رغبة عارمة في توصيل معارفهم إلى طلابهم لإيمانهم بقيمة ما يلقونه وأهميته على مسامع الطلاب آنذاك ، أما الآن فنحن نقول للآخرين لا تهتموا ولا تكترثوا ، ودائماً نسألهم ، هل تريدون أن تصبحوا مثلنا حقاً ؟ إن سؤالنا يعني أننا لسنا سعداء بما صرنا إليه ، أو بنظرة الناس لنا ، فنحن نشعر بلوم الآخرين وإنتقادهم لنا وحكمهم علينا من خلال جداول معدلات الأداء التي ليس لها معنى حقاً ، بل ونشعر بمراقبة الآخرين لنا طوال الوقت عن قرب ، لأنهم لا يثقون في أننا نقوم بواجبنا على ما يرام وعلى أكمل وجه ، بل ونقضي ساعات إضافية في عملنا لنلقى بعد ذلك عتاباً بأن ساعات عملنا قليلة للغاية .الشيء المثير للقلق والإنزعاج حقاً هو أن الآخرين ممن يعملون في هذه المهنة وممن هم خارج نطاقها لهم نفس النظرة دون إختلاف .مهنة التدريس هي أهم المهن على الإطلاق ،إننا في حاجة إلى معلمين راضين عن أنفسهم وسعداء بمكانتهم في المجتمع ، فمازلنا على النقيض من ذلك ، نتعرض بإستمرار للمطاردة والإزدراء والحط من قدرنا والتشويه لسمعتنا ، ومن ثم فاللعبة لا تستحق الجائزة ولا تنال التكريم ، وهو الأمر الذي يدفعني إلى أن أقول لابنتي جونا عزيزتي جونا إعملي في أي مجال آخر غير التعليم .

منقول بتصرف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق